محمد أبو زهرة

643

زهرة التفاسير

الأهواء في سلسلة أولها إعجاب بالنفس وزهو وخيلاء ، وآخرها ضياع وفساد ، وهلاك للحرث والنسل ، ثم ذل واستخذاء . واللام في قوله تعالى : لِيُفْسِدَ فِيها هي التي يسميها العلماء لام العاقبة أي أنها تشير إلى أن العاقبة - في عمل المتولى الذي يحكم الناس لنفسه ولرغباته وأهوائه لا لمصالحهم ونفعهم - هي الفساد في الأرض ، والهلاك العام لكل ينابيع الثروة في البلاد ، والله يتولى برحمته العباد . ونحن نختار أن يكون معنى التولي هو صيرورته واليا ؛ لأنه ذلك هو الذي يتفق مع الآية الآتية ، وهي قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ . وقد ذيل الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ وذلك لعدة أمور : أولا - لبيان أن الله لا يحب ذلك الصنف من الناس الذي يخدع الناس ويكذب على الله ، ويجادل ويمارى ، ويضل عن بينة ، ويسعى في الأرض بالفساد ؛ إذ الله لا يحب الفساد فلا يحب المفسدين ، ومن لا يحبه الله فهو بعيد عن رحمته ، معرض لنقمته . ثانيا - ولبيان أن الله سبحانه وتعالى لا يريد بما فرض من عبادات إلا مصلحة الناس ودفع الضر عنهم ، فهو الغنى الحميد الذي لا يكسب من عبادة عابد ؛ ولا يضار من فسق فاسق ؛ إنما الأمر في ذلك إلى مصلحة الناس ودفع الضر عنهم . ثالثا - وفوق ذلك هذا التذييل يدل على أن شرع الله كله أساسه إقامة المصلحة ودفع المضرة ، فما من أمر شرعه الله إلا فيه جلب نفع أو دفع ضرر ، وأن دفع الضرر ، مقدم على جلب النفع ، وأن دفع الضرر العام مقدم على دفع الضرر الخاص ، وأن جلب المنفعة العامة مقدم على جلب المنفعة الخاصة . رابعا - وإن هذا التذييل فوق ذلك يشير إلى أن الله سبحانه استخلف الإنسان في هذه الأرض ليعمرها لا ليفسدها ، فأولئك الذين يبذلون الجهود العقلية ليصلوا